المثاقفة والترجمة - د. مصطفى رياض


 ندوة المثاقفة والترجمة والتقارب بين الشعوب

لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة ومكتبة الإسكنرية
الأربعاء 7 مايو 2025
في إطار التعاون المثمر بين لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة، وبرئاسة مقررها الأستاذ الدكتور حسين محمود، ومكتبة الإسكندرية، بقيادة مديرها الأستاذ الدكتور أحمد زايد، أقيمت ندوة مهمة تحت عنوان 'المثاقفة والترجمة والتقارب بين الشعوب'. وقد استضافت إحدى قاعات المؤتمرات بمكتبة الإسكندرية فعاليات هذه الندوة، التي شهدت حضور نخبة من المتخصصين في مجال الترجمة والدراسات الثقافية، بالإضافة إلى عدد كبير من طلاب جامعة الإسكندرية المهتمين بهذا المجال الحيوي.
افتتح الدكتور أحمد زايد الندوة مرحبًا بالحضور ومؤكدًا الروابط بين مكتبة الإسكندرية والمجلس الأعلى للثقافة في تعزيز الحوار الثقافي. وأشار إلى أهمية الندوة في استكشاف آليات التفاعل الثقافي ودور الترجمة في التقارب بين الشعوب. كما أعلن عن مبادرة مكتبة الإسكندرية لتقديم جوائز للشباب المبدع في مجالات السرد والشعر والمسرح والسينما والابتكار وريادة الأعمال، مؤكدا دور المكتبة في دعم الإبداع الشبابي. واختتم كلمته بتأكيد أهمية المثاقفة والتنوع الثقافي في بناء عالم يسوده التفاهم والسلام.
ثم قدم الأستاذ الدكتور حسين محمود في ورقته "بين الثقافة والمثاقفة: صعوبة التعريف" رؤية تحليلية لمفهوم المثاقفة، حيث يتناوله من منظور صرفي يبرز عنصر المغالبة في التفاعل الثقافي. ويتعرض الدكتور محمود لصعوبة تعريف الثقافة، مستعرضًا في ذلك المنظور الكلاسيكي الذي يركز على ثقافة الروح، والمنظور الأنثروبولوجي الذي يقدم تعريفًا أوسع نطاقًا للمصطلح. كما يتناول الدراسة المصطلحية لمصطلحي Interculturation و Acculturation، محللًا استخدام البادئات واللاحقات في بنائهما، ويقترح ترجمة لهما بمصطلحي التثقيف والاقتباس الثقافي على التوالي.
تناول الدكتور أشرف فراج في كلمته موضوع "حروب اللغة" وكيف يمكن استخدام الترجمة كأداة للغزو الثقافي. وقسم آليات هذا الغزو إلى ثلاثة محاور رئيسية: الغزو الجبري الذي يتم عن طريق الاستعمار وفرض اللغة، والغزو الطوعي الذي يحدث من خلال السعي الذاتي لاكتساب ثقافة الآخر ولغته، والغزو الرقمي الذي وصفه بأنه الأكثر خطورة في العصر الحالي، ويتم من خلال الاستخدام المكثف للوسائط والتقنيات الرقمية وتأثيرها على اللغة والثقافة.
تناول أ.د. أنور مغيث في كلمته موضوع الترجمة والإبداع في الأدب المعاصر، مشيرًا إلى وجود ترجمات بقيت لفترة طويلة في الظل، وهي ترجمة الروايات الغرامية والبوليسية التي انتشرت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وأوضح أن هذه الروايات أثارت مخاوف العائلات من تأثيرها على الشباب، وبخاصة الروايات الغرامية. وتطرق د. مغيث إلى تأثير الترجمة على الأشكال الفنية في الرواية والمسرح والشعر، وكيف ألهمت مؤلفين مصريين لتبني هذه الأشكال وتقديمها بمادة من صميم المجتمع المصري، مما أدى إلى تمصير هذه الأعمال المترجمة وتعريبها.
وتتناول الأستاذة الدكتورة رشا كمال في ورقتها "المثاقفة واللامثاقفة: الحلم الصيني" تفاعلات الثقافة الصينية مع العالم في إطار "الحلم الصيني"، والذي تشير إلى أنه يتضمن طموحًا لتحقيق الرفاهية على نطاق عالمي. وتستعرض الدكتورة كمال في كلمتها أمثلة على ذلك، مثل مبادرة الحزام والطريق واستضافة الصين لأولمبياد 2008، بوصفهما حدثين يعكسان انفتاح الصين على العالم وتشجيعها للتواصل الثقافي المتبادل. كما تلقي الضوء على تاريخ الصين وما تعرضت له من استعمار من قوى مختلفة، وتنفيذ لسياسة الاصلاح و الانفتاح،مع حركات واسعة لترجمة الأعمال الأدبية وتعليم للغة الصينية للطلاب الأجانب، مما أسهم في عمليات المثافقة التي شهدها المجتمع الصيني.
تناول أ.د. عاصم العماري في كلمته دور الترجمة والمثاقفة بين ألمانيا والعالم العربي. وأشار إلى دور معهد جوتة في دعم عملية التواصل والمثاقفةفي مصر، وكذلك إلى الجهود الرسمية الألمانية التي تبذلها وزارة الرقمنة لتعزيز هذا الاتجاه. ثم انتقل د. العماري إلى عرض لأهم ما ترجمه المستشرقون الألمان من التراث العربي، مسلطًا الضوء على إسهاماتهم في التعريف بالثقافة العربية ونقلها إلى الجمهور الألماني.
عرض أ.د. محمد نصر الدين الجبالي في كلمته التجربة الروسية في ترجمة التراث العربي، مؤكدًا على عمق التواصل الثقافي العربي الروسي، وأشار إلى أن الإسلام دخل روسيا مبكرًا في عام 20 هجرية، 661 ميلادية. وأبرز د. الجبالي الأثر الإسلامي في الثقافة الروسية، متمثلاً في مجالات متنوعة كالفن، وضرب مثلاً بموسيقى نيكولاي ريمسكي كورساكوف "شهرزاد"، والعمارة، وضرب المثل بقباب الكنائس الروسية. كما تطرق إلى رحلات الرحالة الروس إلى المنطقة العربية، ونقلهم لمشاهداتهم وتفاعلاتهم مع الثقافة العربية.
تناولت أ.د. نهاد منصور في كلمتها استراتيجية "التوطين" في الترجمة، حيث يقوم المترجم بنقل العمل الأصلي إلى لغة المتلقي مع إضافة عناصر من تراثه الثقافي، مما يجعل العمل المترجم يبدو وكأنه مؤلف أصيل في اللغة الهدف. وأشارت إلى أمثلة من كبار مترجمي الأدب العربي الحديث، مثل روجر آلان ودينيس جونسون ديفيز، الذي أضاف إلى ترجمته لأعمال نجيب محفوظ عناصر من الثقافة العربية بعد موافقة المؤلف. كما عرضت الدكتورة نهاد منصور ترجمة أنيس منصور الحرة لكتاب مايكل هارت "المائة" (العظماء مائة)، خاصةً فيما يتعلق بتقديم صورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب.
تناول أ.د. هشام درويش في كلمته أثر التراث اليوناني الأدبي العظيم على الآداب العالمية، مع التركيز بشكل خاص على إلياذة وأوديسة هوميروس. ثم انتقل إلى بحث أثر الأدب اليوناني على الأدب اللاتيني من خلال الترجمة، واستعرض العلاقات اللغوية المصرية اليونانية، ومظاهر التعاون المصري اليوناني خلال الفترة الهيلنستية في مصر، مشيرًا إلى أن مكتبة الإسكندرية القديمة كانت من أهم ثمار هذا التعاون. وتطرق د. درويش أيضًا إلى الترجمات من اليونانية الحديثة إلى العربية، مؤكدًا الصلة الثقافية العميقة بين مصر واليونان عبر العصور حتى العصر الحديث.
أكد أ.د. سامي مندور في كلمته حقيقة أن المثاقفة عملية تفاعلية بين طرفين، واستعرض العلاقات العربية الفرنسية في هذا السياق بدءًا من الوجود الإسلامي في فرنسا عبر جبال البرانس وصولًا إلى بحيرة لوسيرن في سويسرا. ثم انتقل إلى أنشطة المثاقفةوالترجمة في العصر العباسي. وخصص جزءًا هامًا من كلمته لدور الأزهر التنويري في التعامل مع العلوم الحديثة في الفترة المملوكية قبل عصر محمد علي، وضرب المثل بالشيخ العطار وتلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي. وأخيرًا، قدم د. مندور أمثلة لشيوخ أجلاء من الأزهر الشريف مِمَّن أثروا الترجمة عن الفرنسية، منهم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي ترجم رسالة التوحيد للامام محمد عبده، والشيخ الإمام الفحام الذي اعد قاموسا (فرنسي عربى) لمصطلحات النحو والصرف، والشيخ الإمام عبد الحليم محمود الذي ترجم الحارث المحاسبى وقدم تعريفًا للمصطلحين، وأخيرًا وليس آخرًا، الشيخ الإمام أحمد الطيب الذي ترجم ختم الولاية عند ابن عربى . وأشاد بجهود المركز القومي للترجمة في ترجمة الأعمال الأفريقية، ولكنه أيضًا تناول المشكلات التي تواجه الترجمة عن اللغات الأفريقية، مثل العدد الكبير لهذه اللغات، وقلة عدد المتخصصين فيها، ومحدودية الدعم المادي. وقدم د. رشاد اقتراحات للتغلب على هذه المشكلات، مثل التوسع في تدريس اللغات الأفريقية وتشجيع تعاون القطاع الخاص في نشر الأعمال المترجمة عن هذه اللغات. وضرب مثالًا بترجمات سمير عبد ربه لأعمال أدباء أفارقة حائزين على جائزة نوبل في الأدب، مثل نادين جورديمر، ونجيب محفوظ، وماكسويل كوتزي، وول سوينكا، وعبد الرزاق قرنة.
أشاد أ.د. مصطفى رياض في كلمته بإنجازات لجنة التأليف والنشر والترجمة، خاصة في مجال الترجمة خلال النصف الأول من القرن العشرين. وأوضح أن اللجنة، التي تأسست بمبادرة من شباب خريجي مدرسة المعلمين العليا، سعت إلى تقديم ترجمات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالإضافة إلى الأعمال الأدبية المترجمة. كما أشار إلى أن اللجنة أطلقت مجلة الثقافة في عام 1939، بهدف الجمع بين القديم والجديد، والتراث العربي الأصيل والوافد الغربي الحديث.
وختاما فإن هذه الكلمات القيمة، التي قدمها نخبة من الباحثين المتخصصين، قد أثرت بلا شك فهمنا لموضوع المثاقفة والترجمة والتقارب بين الشعوب. ونأمل أن تكون هذه الندوة قد ساهمت في تعزيز الوعي بأهمية الحوار الثقافي والتواصل بين الأمم، وفتحت آفاقًا جديدة للبحث والتعاون في هذا المجال الحيوي.

Comments

Popular posts from this blog

الأناركية ليست فوضى!